لماذا لا خلاص إلا بدولة مؤسسات؟
اليمن لا يغرق اليوم بسبب ضعف موارده أو غياب رجاله، بل بسبب تفكيكٍ منهجي لفكرة الدولة. هذا التفكيك لم يكن عفويًا ولا طارئًا، بل جرى عبر مسارات متقاطعة: مشروع نفوذ إقليمي، ومشروع مليشيا عقائدي مسلّح، وغطاء دولي أممي يُدار بلغة «إدارة الأزمة» لا حلّها. والنتيجة وطنٌ معلّق بين ولاءات متصارعة، فيما تُفرَّغ الدولة من مضمونها.
مشروع النفوذ الإماراتي: دولة داخل الدولة
ما قامت به دولة الإمارات في اليمن لم يقتصر على دعم حليف أو المشاركة في تحالف، بل تطوّر إلى بناء منظومات موازية أمنية وعسكرية وسياسية، تعمل خارج هرم الدولة الشرعية وتحت لافتة «الشراكة».
هذا المسار أفرز سلطات أمر واقع، ومراكز قرار لا تخضع للمساءلة، وولاءات تُقدَّم على حساب السيادة. وحين يُستَخدم الموقع داخل الشرعية لخدمة مشروع انفصالي أو نفوذ خارجي، فذلك لا يُسمّى شراكة، بل تقويضًا للدولة من داخلها.
إيران: سلاح المليشيا بديلاً عن الدولة
في الجهة المقابلة، تمضي إيران في مشروعها القائم على تسليح المليشيا وتطييف السياسة. فهي لا تتعامل مع اليمن كدولة ذات سيادة، بل كساحة نفوذ. ولا تفاوض من أجل بناء دولة يمنية، بل لتثبيت موطئ قدم استراتيجي عبر وكلاء مسلحين. وكل هدنة تُدار دون نزع السلاح، ودون إعادة الاعتبار للمؤسسات، تتحوّل إلى فرصة لإعادة التموضع لا إلى سلام حقيقي.
مليشيا الحوثي: مشروع انقلاب دائم على الدولة
ولا يمكن تفكيك أزمة اليمن دون تسمية جوهرها: مليشيا الحوثي ليست طرفًا سياسيًا قابلًا للإدماج، بل مشروع انقلاب مسلّح يقوم على تقويض الدولة واستبدالها بسلطة سلالية قائمة على السلاح والأمر الواقع.
هذه المليشيا عطّلت المؤسسات، وصادرت القرار الوطني، وحوّلت الحرب إلى أداة حكم، ورفضت أي مسار سلام لا يُبقي لها التفوق العسكري. وكل ترتيبات سياسية أو أممية تتجاوز نزع سلاحها وإعادة بناء المؤسسات الشرعية لا تنتج سلامًا، بل تُعيد تدوير الانقلاب بصيغة أخرى.
الأمم المتحدة: حياد يُجمِّد الصراع
قدّمت الأمم المتحدة، عبر بعثاتها المختلفة، نموذجًا لحيادٍ يُساوي بين الدولة ومن يقوّضها.
ست سنوات من «الاستقرار» الشكلي في الحديدة لم تُنفَّذ خلالها جوهر الالتزامات، بل جرى تجميد الوضع القائم لصالح الحوثي، وتحويل الملف من قضية سيادة وطنية إلى إدارة أممية باردة. هذا ليس سلامًا، بل شرعنة للأمر الواقع تحت غطاء دولي.
مكمن الخلل الحقيقي
الخلل لا يكمن في اختلاف الرؤى، بل في:
• ازدواج القرار داخل الشرعية.
• تعدد الجيوش والولاءات خارج إطار الدولة.
• تدويل الملفات السيادية دون ضمان التنفيذ.
• غياب المحاسبة باسم التوازنات والمرحلة الانتقالية.
الحل… بلا مواربة
لا خلاص لليمن إلا عبر مسار وطني واضح:
1. دولة مؤسسات تحتكر السلاح والقرار.
2. إنهاء المشاريع الموازية مهما كان غطاؤها.
3. سلام مشروط بنزع السلاح وعودة المؤسسات لا بإدارة الصراع.
4. دعم دولي صريح للشرعية لا بدائل عنها، ودور أممي يفرض التنفيذ بدل الاكتفاء بالمراقبة.
الخلاصة
اليمن لا يحتاج وصاية جديدة، ولا حيادًا زائفًا يُساوي بين الجلاد والضحية، ولا شراكات تُفكك الدولة باسم الواقعية السياسية.
اليمن يحتاج دولة: دولة واحدة، بقرار واحد، ومؤسسات تحكم الجميع دون استثناء.
اليمن فقط… دولة مؤسسات، لا ولاءات لمشاريع.
بقلم / د. نادين الماوري
باحثة في الهوية اليمنية والشأن السياسي
دبلوماسية سابقة





