حين يصبح توصيف الحوار مسألة سيادة .. لماذا يجب ألا يُختزل جنوب اليمن في كيان واحد
الساعة 01:30 صباحاً

في النزاعات المعقدة، لا تكون الكلمات حيادية. فالتوصيف السياسي في بيانات رؤساء الدول لا يُقرأ كلغة، بل يُفسَّر كقرار سيادي يحمل دلالات قانونية وسياسية تتجاوز اللحظة الخطابية.

من هذا المنطلق، فإن استخدام مصطلح «حوار جنوبي–جنوبي» في سياق رسمي يطرح إشكالية عميقة، لأنه يُنتج – ولو ضمنيًا – اعترافًا بوجود «الجنوب» كوحدة سياسية تفاوضية قائمة بذاتها، وهو ما يتناقض مع مبدأ وحدة الدولة اليمنية الذي تؤكد عليه المرجعيات الدولية والإقليمية.

الجنوب اليمني ليس كتلة سياسية متجانسة، بل فضاء متعدد الهويات والمصالح والرؤى. فمحافظات مثل حضرموت والمهرة، على سبيل المثال، لم تكن يومًا خارج إطار الدولة، ولم تطرح مشروع انفصال، بل شاركت في مؤتمر الحوار الوطني، وقبلت بمسار الدولة الاتحادية، وطالبت بحقوقها عبر المؤسسات والسياسة، لا عبر تفكيك الدولة.

اختزال هذا التعدد في توصيف واحد يمنح أطرافًا بعينها احتكار التمثيل، ويُلغي الإرادات المحلية التي اختارت البقاء ضمن الدولة، وهو ما يحوّل الحوار من أداة للتسوية إلى أداة لإعادة توزيع الشرعية السياسية خارج إطارها الدستوري.

في القانون الدستوري، الاعتراف الضمني أخطر من الاعتراف الصريح، لأنه يُبنى على اللغة قبل القرارات. وحين تُوصَف مساحة جغرافية بأنها وحدة تفاوضية مستقلة، فإن ذلك يُنتج واقعًا سياسيًا جديدًا حتى لو لم يُعلن رسميًا.

ولهذا، فإن أي مسار حواري يُراد له أن يكون جادًا ومثمرًا يجب أن يُبنى على الاعتراف بالتعدد داخل المحافظات الجنوبية والشرقية، وعلى تمثيل قائم على المحافظات ومكوناتها السياسية والمجتمعية، لا على كتل مُسماة تحمل مشاريع متعارضة مع الدولة.

والبديل العملي هنا ليس تعطيل الحوار، بل تصحيح إطاره، وذلك عبر اعتماده كـ «حوار وطني خاص بالمحافظات الجنوبية والشرقية ضمن إطار الدولة اليمنية»، بما يضمن شمولية التمثيل، ويحمي مفهوم السيادة، ويمنع تحويل الحوار إلى أداة تفكيك سياسي.

في لحظة تتكاثر فيها مشاريع الوصاية والتدخل في اليمن، يصبح الحفاظ على دقة التوصيف السياسي جزءًا من حماية الدولة نفسها. فالدول لا تُفكك فقط بالسلاح، بل أيضًا باللغة حين تُستخدم خارج سياقها السيادي