للرئيس العليمي: إسقاط الجنسية عن مزدوجي الولاء واجب دستوري لا يحتمل التأجيل
الساعة 08:27 صباحاً

تكتسب مسألة الجنسية والولاء الدستوري أهمية بالغة في القانون الدستوري والإداري المقارن، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمناصب السيادية والعسكرية العليا في الدولة. وتزداد هذه الأهمية حدة في الدول التي تمر بأزمات سياسية واقتصادية معقدة، كما هو الحال في الجمهورية اليمنية... 

من هذا المنطلق القانوني الراسخ، يأتي هذا التحليل والتوصيف القانوني ليسلط الضوء على قضية حساسة تتعلق بالوضع القانوني لعدد من كبار المسؤولين اليمنيين الذين كان بعضهم يشغل مناصب سيادية عليا في مجلس القيادة الرئاسي،واخرون مازالوا في مناصبهم 

 الوثائق الرسمية المسربة المسربة التي كشفت أن الفار عيدروس الزبيدي وفرج سالمين البحسني يحملان جنسيات اماراتية إلى جانب انتمائهم الإداري للدولة اليمنية.

يظهر جواز السفر الإماراتي الأول أن عيدروس قاسم الزبيدي، المولود في اليمن، يحمل جنسية الإمارات العربية المتحدة برقم جواز AA0460134، وقد تم إصدار هذا الجواز في أبو ظبي بتاريخ 20 نوفمبر 2023. أما الوثيقة الثانية فتظهر أن فرج سالمين محمد البحسني، وهو أيضاً من مواليد اليمن، يحمل جنسية الإمارات برقم جواز AA0462938، وقد تم إصداره في أبو ظبي بتاريخ الأول من ديسمبر 2023. 

هذه الوثائق الرسمية تثير تساؤلات قانونية جوهرية حول شرعية تولي هؤلاء الأفراد لمناصب سيادية في اليمن بينما يحملون جنسية اماراتية .

من الناحية القانونية الإماراتية، ينص قانون الجنسية الاتحادي الإماراتي رقم 17 لسنة 1972 وتعديلاته، وبخاصة المادة الحادية عشرة منه، على أنه لا يجوز منح الجنسية الإماراتية لأي شخص ما لم يتخل عن جنسيته الأصلية تخلياً رسمياً وصريحاً.

 هذا المبدأ القانوني الأساسي يعني أن الحصول على جواز سفر إماراتي يتطلب بالضرورة تقديم وثائق رسمية تثبت التخلي عن الجنسية السابقة والإقرار بالولاء الكامل والوحيد لدولة الإمارات... وبناءً على ذلك، فإن حصول هؤلاء المسؤولين على جوازات إماراتية يعني قانوناً أنهم قد قدموا تنازلاً صريحاً عن جنسيتهم اليمنية، أو على الأقل أنهم أقرّوا بتفضيل الولاء للدولة الإماراتية على الولاء لدولتهم الأصلية.

 وهذا يضعهم في وضع قانوني متناقض تماماً مع متطلبات المناصب السيادية التي شغلوها في اليمن.

من جانب آخر، ينص الدستور اليمني، وبخاصة المادة 107 منه، على شروط محددة وصارمة لمن يتولى منصب سيادي في الجمهورية،اليمنية وتنسحب هذه الشروط بالضرورة على أعضاء مجلس القيادة الرئاسي بموجب الإعلان الرئاسي لعام 2022. من بين هذه الشروط الجوهرية أن يكون يمنياً من أبوين يمنيين، وألا يكون متزوجاً من أجنبية، وألا يكون حاملاً لجنسية أجنبية. 

هذا الشرط الأخير هو حجر الزاوية في ضمان الولاء الحصري للدولة اليمنية وعدم تضارب الولاءات السياسية والقانونية

 إن الدستور اليمني يقر بأن السيادة للشعب اليمني، وأن شاغلي الوظائف العامة، وخاصة العليا منها، يجب أن يتمتعوا بالولاء الكامل والحصري للدولة اليمنية، دون أي تقسيم أو مشاركة لهذا الولاء مع دول أخرى.علاوة على ذلك، ينص قانون الجنسية اليمنية رقم 6 لسنة 1990 في مادته الحادية عشرة على أن اليمني الذي يتجنس بجنسية دولة أجنبية دون إذن مسبق من السلطات المختصة يفقد جنسيته اليمنية. 

هذا النص القانوني الصريح يؤكد على مبدأ أساسي في القانون اليمني مفاده أن الجنسية اليمنية والجنسية الأجنبية لا يمكن أن تجتمعا في شخص واحد، وأن من يختار الجنسية الأجنبية فإنه بذلك يختار أيضاً فقدان الجنسية اليمنية. وبناءً على هذا النص، فإن الحصول على الجنسية الإماراتية يترتب عليه قانوناً فقدان الجنسية اليمنية، مما يسقط عن هؤلاء المسؤولين أي أهلية قانونية لشغل مناصب سيادية في الدولة اليمنية.

علاوة على ذلك فإن الجمع بين جنسية دولة أجنبية وتولي منصب سياسي أو عسكري سيادي في دولة أخرى يشكل حالة تضارب ولاء صارخة، ترقى إلى مستوى التهديد المباشر للأمن القومي والسيادة الوطنية. فالجنسية ليست مجرد وثيقة إدارية بقدر ماهي رابطة سياسية وقانونية عميقة ترتب على حاملها واجبات قانونية محددة تجاه الدولة المانحة للجنسية، من بينها واجب الولاء المطلق والالتزام بحماية مصالح تلك الدولة والخضوع الكامل لقوانينها وسياساتها العليا. 

وعندما يحمل شخص مثل عيدروس او البحسني او طارق عفاش وغيرهم جنسية الامارات، فإنه يقبل ضمنياً هذه الالتزامات والواجبات، مما يعني أن ولاءه كاملا للإمارات وهذا لايمكن قبوله في المناصب السيادية باليمن 

من الناحية القانونية الإدارية، فإن انعدام شرط من شروط التعيين الجوهرية، مثل الجنسية، يترتب عليه بطلان التعيين بطلاناً مطلقاً. وبناءً على ذلك، فإن تولي هؤلاء المسؤولين لمناصبهم السيادية يعتبر باطلاً من الناحية القانونية، وكل ما يترتب على وجودهم في هذه المناصب من قرارات وأوامر عسكرية واتفاقيات وتعيينات لاحقة يعتبر أيضاً مشوباً بالبطلان ويكون قابلاً للإلغاء والمساءلة. 

من جانب آخر، فإن استمرار ماتبقى من هؤلاء المسؤولين خصوصا طارق عفاش وغيره في شغل مناصبهم السيادية رغم حملهم لجنسيات أجنبية يشكل إساءة استعمال للسلطة وإضراراً بالمصلحة العامة. فالدولة اليمنية، من خلال مؤسساتها المختصة، تتحمل مسؤولية قانونية مباشرة عن السماح بهذا الوضع المخالف للقانون.

كما أن الصمت على هذه الانتهاكات الجسيمة للدستور والقانون هو شرعنة لتقويض الدولة من الداخل وتقسيم ولاء قيادتها بين دول متعددة.

من الناحية العملية، فإن الإجراءات التي يجب اتخاذها من قبل الحكومة اليمنيية تشمل في المقام الأول إجراء تحقيق قانوني شامل حول كيفية حصول عيدروس الزبيدي والبحسني وطارق عفاش وهاني بن بريك وغيرهم على مناصبهم رغم عدم توفر الشروط القانونية المطلوبة. كما يجب إعادة النظر في جميع القرارات والأوامر الصادرة عنهم منذ تاريخ حصولهم على الجنسية الأجنبية، وإلغاء ما يترتب عليها من آثار قانونية.

 بالإضافة إلى ذلك، يجب اتخاذ إجراءات تأديبية وقانونية صارمة ضد جميع المسؤولين الذين ساهموا في هذا الانتهاك، سواء كانوا من الجهات التي قامت بالتعيين أو من السلطات التي تغاضت عن المخالفة.

لذا، فإن المطالبة بتحريك هذا الملف على الصعيدين الوطني والدولي تصبح ضرورة قانونية وسياسية حتمية. وهنا يتعين على الرئيس اليمني رشاد العليمي، إذا كان يتمتع بالجنسية اليمنية الخالصة ويلتزم بالدستور، أن يتخذ إجراءات فورية وحاسمة ضد عيدروس الزبيدي والبحسني وطارق عفاش وهاني بن بريك وسائر المسؤولين الذين يحملون جنسيات أجنبية وان يصدر قرارات بإسقاط الجنسية اليمنية عن هؤلاء الأفراد رسمياً بموجب القانون، وإعفاء من تبقوا من مناصبهم السيادية فوراً، وإحالة ملفاتهم للتحقيق القانوني الشامل.

 كما يتعين رفع هذا الملف إلى المحاكم الدستورية والجهات القضائية المختصة لإعادة النظر في جميع القرارات والأوامر الصادرة عنهم وهذه إجراءات قانونية ضرورية لحماية السيادة الوطنية وإعادة الاعتبار لمبادئ الدستور والقانون.

وفي سياق متصل وبالتزامن مع قرب انعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي الذي ترعاه المملكة العربية السعودية في الرياض، تبرز ضرورة وطنية وقانونية ملحة تستوجب من الحكومة اليمنية واللجان المنظمة التأكد التام من أن جميع القيادات الجنوبية المشاركة في هذا المؤتمر لا تحمل الجنسية الإماراتية أو أي جنسيات أجنبية اخرى

لا يمكن أن يُسمح لأفراد يحملون ولاءات قانونية لدول خصوصا الامارات بالمشاركة في هذا المؤتمر إن ضمان استقلالية القرار الوطني اليمني يبدأ من ضمان أن من يجلسون على طاولة الحوار هم يمنيون خالصون، لا تشوب انتماءهم أي شائبة قانونية أو سياسية.

 كما أن السماح لمزدوجي الجنسية، وخاصة أولئك الذين يحملون الجنسية الإماراتية بالمشاركة في هذا الحوار يعني فعلياً إعطاء دول أخرى مقعداً غير مباشر على طاولة الحوار الجنوبي الجنوبي ، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ السيادة الوطنية واستقلالية القرار السياسي.

إن استعادة الدولة اليمنية تبدأ أولاً باستعادة "حصرية الولاء" لمؤسساتها وقياداتها. 

فمن غير المنطقي، بل ومن المهين لتضحيات اليمنيين، أن يكون من يرسم مستقبل اليمن ويقود جيوشه، ملتزماً قانوناً بحماية مصالح دولة أخرى بموجب يمين الجنسية التي أداها.  

والتاريخ لن يرحم الصامتين على هذا الاختراق الدستوري، والسكوت اليوم هو شرعنة لنموذج "الوكالة السياسية" الذي يحول القادة إلى مجرد أدوات تنفيذية لأجندات خارجية.

ختاماً، إن اليمن اليوم أمام اختبار حقيقي لمدى جديته في الحفاظ على ما تبقى من كيان الدولة. فإما أن ننتصر للدستور ونعيد الاعتبار للسيادة الوطنية عبر تطهير مؤسسات الحكم من تضارب الولاءات، أو أننا نعلن صراحة عن نهاية عصر الدولة المستقلة والقبول بوضع "الوصاية المقننة" التي يمثلها هؤلاء المسؤولون. 

والقرار هنا بيد من تبقى من شرفاء في مؤسسات الدولة، وبيد الشعب الذي يرفض أن تُباع سيادته في سوق الجوازات والولاءات العابرة للحدود.

 اليمن لليمنيين أولاً وأخيراً، ولا مكان في قيادته لمن قسم قلبه وولاءه بين وطنين.