الحرب تنتهي في الميدان، لكن تداعياتها تظل حاضرة في الشوارع. آلاف الجنود الذين سرّحهم أو استدعاهم رئيس المجلس الانتقالي الهارب ربما إستعدادا لهجوم مضاد يشكلون اليوم معضلة أمنية وسياسية لا يمكن تجاهلها. هؤلاء ليسوا بالضرورة أيديولوجيين أو منخرطين في أجنداته، بل انخرط معظمهم في القتال بدافع الحاجة، بحثاً عن لقمة العيش في وطن أنهكته الحروب المتعاقبة. والسؤال الأهم الآن: كيف ستتعامل الحكومة اليمنية مع هذه الكتلة المسلحة والمدرّبة؟ هل تتركهم فريسة للجوع واليأس ليصبحوا وقوداً لأي مغامر جديد؟ أم تحتضنهم وتحولهم من تهديد محتمل إلى رصيد وطني فاعل؟
جنود الأحزمة والنخب وغيرها من التشكيلات يمتلكون خبرة قتالية حقيقية لا يُستهان بها. هم مقاتلون محترفون عاشوا الميدان وعرفوا تضاريسه وتعقيداته، وبنوا شبكات علاقات واسعة مع المجتمع في مختلف المناطق. الخطر يكمن في أن هذه القدرات، إن تُركت بلا احتواء، قد تُستغل من أطراف معادية أو جماعات متطرفة تبحث عن موطئ قدم في اليمن. الجوع واليأس يصنعان المرتزقة أكثر مما تفعل الأيديولوجيا، وهذه حقيقة تؤكدها تجارب التاريخ. ترك هؤلاء دون خطة احتواء يفتح الباب لهجمات منظمة وعمليات اغتيال وتخريب للبنية التحتية. لهذا، يبقى التحرك السريع والذكي ضرورة وطنية عاجلة قبل أن تُستثمر طاقتهم ضد الدولة نفسها.
تحييد وضرورة أمنية
الاحتواء ليس عملاً إنسانياً أو لفتة اجتماعية او مبادرة وطنية فحسب. بل ضرورة أمنية واستراتيجية بامتياز. توظيف هؤلاء الجنود يعني تحييد خطرهم قبل أن يتحول إلى تهديد فعلي، وتحويلهم من عبء محتمل إلى قوة تخدم الأمن والاستقرار. لكن ذلك يجب أن يتم وفق برنامج متكامل يبدأ بعملية فحص دقيقة لكل فرد، تشمل دراسة خلفيته والتأكد من عدم تورطه في جرائم حرب أو انتهاكات، حمايةً للمؤسسة الأمنية من الاختراق.
تلي ذلك مرحلة إعادة التأهيل السياسي عبر برامج توعية وطنية ترسخ الانتماء لليمن كله، بدلاً من الولاءات الضيقة. أما الخطوة الأهم فهي إعادة بناء الثقة بينهم وبين الدولة، من خلال إشراكهم في مشاريع تنموية تمنحهم دوراً ملموساً ومصدراً للعيش الكريم، فالمعيشة الكريمة ليست منّة بل حق أساسي وضرورة أمنية في الوقت ذاته.
المكاسب
يمتلك هؤلاء الجنود ما تحتاجه اليمن اليوم: خبرة ميدانية متراكمة، معرفة عميقة بالتهديدات الأمنية، ودراية دقيقة بطبيعة الأرض والعلاقات القبلية. يمكن توظيفهم في الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، حيث تمثل خبرتهم بأساليب الجماعات المتطرفة قيمة لا تُقدّر بثمن، وفي حفظ الأمن الداخلي بفضل فهمهم للبيئة المحلية. كما يمكن إدماجهم في مشاريع إعادة الإعمار، لتحويل طاقتهم من الهدم إلى البناء. تجاهل هذه القدرات سيكون قراراً قصير النظر يعيد أخطاء الماضي، كما حدث في العراق بعد عام 2003 حين تحوّل آلاف المسرّحين إلى نواة للجماعات المسلحة التي هزت استقرار البلاد لسنوات.
التحديات
الطريق ليس سهلاً، فهناك تحديات حقيقية ينبغي التعامل معها بواقعية. أولها: الثقة المفقودة بين الجنود السابقين والحكومة، وهو ما يتطلب وقتاً وجهداً وبرامج مدروسة لإعادة بناء الثقة. ثانيها: شح الموارد المالية في بلد أنهكته الحرب، مما يستدعي دعماً إقليمياً ودولياً جاداً. ثالثها: الرفض المجتمعي، إذ يصعب على كثيرين ممن تضرروا من الحرب تقبّل فكرة إعادة دمج من أذاهم، الأمر الذي يفرض مساراً واضحاً للمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. أما التحدي الرابع: فهو احتمالات الاختراق الأمني، ما يستدعي يقظة استخباراتية مستمرة ومتابعة دقيقة.
ومع ذلك، تبقى هذه التحديات أقل خطراً من ترك آلاف المقاتلين المدربين بلا عمل ولا أمل، فيتحولون إلى وقود لأي مشروع تخريبي جديد.
احتواء جنود الرئيس الهارب لم يعد خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة أمنية واجتماعية واستراتيجية ملحّة. تجاهلهم يعني ترك قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وجه الدولة والمجتمع، بينما احتواؤهم بعقلانية يحوّل التهديد إلى فرصة لبناء الاستقرار.
الحكومة اليمنية اليوم أمام اختبار تاريخي: هل تمتلك الرؤية والشجاعة لتحويل هذا التحدي إلى مكسب وطني؟ أم تترك الأمور على علاتها فتعيد إنتاج الفوضى بصيغتها القادمة؟ الوقت يضيق، والفرصة تتناقص، والتاريخ ينتظر فرص إنقاذ الوطن اليمني.





